سيد محمد طنطاوي

414

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

محذوف ، تقديره : ليدمدمنّ اللَّه عليهم ، أي : على مكة لتكذيبهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، كما دمدم على قبيلة ثمود لأنهم كذبوا صالحا - عليه السلام - وأما قوله : * ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ) * فكلام تابع لقوله : * ( فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ) * على سبيل الاستطراد ، وليس من جواب القسم في شيء . . « 1 » . وقد أقسم اللَّه - تعالى - بهذه الكائنات المختلفة ، والتي لها مالها من المنافع بالنسبة للإنسان وغيره ، لتأكيد وحدانيته ، وكمال قدرته ، وبليغ حكمته . وبدأ - سبحانه - بالشمس ، لأنها أعظم هذه الكائنات ، وللتنويه بشأن الإسلام ، وأن هديه كضياء الشمس ، الذي لا يترك للظلام أثرا . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات بعض الأحاديث ، منها ما رواه الطبراني عن ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - قال : كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إذا مر بهذه الآية : * ( ونَفْسٍ وما سَوَّاها . فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ) * وقف ثم قال : « اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها . وخير من زكاها » . وعن أبي هريرة رضى اللَّه عنه . قال : سمعت النبي يقرأ * ( فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ) * قال : « اللهم آت نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها » « 2 » . وبعد هذا الحديث الطويل المؤكد بالقسم ، والدال على وحدانيته ، وبديع صنعه . . أتبع ذلك ببيان ما حل بالمكذبين السابقين ، ليكون هذا البيان عبرة وعظة للمشركين المعاصرين للنبي ، فقال - تعالى - : * ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها . إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها . فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّه ناقَةَ اللَّه وسُقْياها . فَكَذَّبُوه فَعَقَرُوها . فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها . ولا يَخافُ عُقْباها ) * . والمراد بثمود : تلك القبيلة التي أرسل اللَّه - تعالى - إلى أهلها صالحا - عليه السلام - لكي يأمرهم بإخلاص العبادة للَّه وحده . ومفعول « كذبت » محذوف للعلم به . والباء في قوله « بطغواها » للسببية ، والطَّغوى : اسم مصدر من الطغيان ، وهو مجاوزة الحد المعتاد . أي : كذبت قبيلة ثمود - نبيهم صالحا - عليه السلام بسبب طغيانهم وإفراطهم في الجحود

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 760 . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 436 .